هذا السايت تحت التجربة حالياً ... و الإفتتاح الرسمى قريباً

مصر بالانجليزية

البوم الصور

 المواقع المصرية

مصر زمان

دائرة المعارف المصرية

الدولة

مصر الآن

جمهورية مصر العربية

مصر الآن - ثقافة و فنون - دار الكتاب

 

صلة مصر بالقراءة والكتابة عريقة متواصلة وعلى أرضها خطت أول حروف بالقلم، وكانت مكتبة الإسكندرية أعظم مكتبة فى العالم القديم، وأنشئت في القرن الرابع قبل الميلاد، وظلت تؤدى دورها على امتداد ستة قرون كاملة: مكانا للقراء، ومركزا للتعليم، ومعهدا للبحوث. ثم أصابها الهرم والجفاف والزوال مع الاستعمار الروماني، وباختفاء المكتبة ضعفت ذاكرة الشعب المصري، وتدهورت حضارته، فنسى لغته القديمة، وأمجاده وآدابه، حتى أن المسلمين حين فتحوا مصر لم يكن بين أهلها من يذكر عن ماضيها العربي شيئا ذا قيمة.

واستوعبت مصر الإسلامية حضارة الإسلام تماما، وتمثلتها جيدا فى زمن يسير، وبعد ثلاثة قرون فحسب من الفتح الإسلامي كانت تضم دار الحكمة، ألحقت بها مكتبة عظيمة أخذت اسم " دار العلم"، كانت مخصصة لدراسة فلسفة المذهب الشيعي، وظلت قائمة حتى مجيء الأيوبيين إلى الحكم.

وأنشأ الخليفة العزيز بن المعز لدين الله الفاطمي ( 386 هـ- 996 م) مكتبة عامة ألحقها بقصره، كانت تضم مليونا وستمائة ألف مجلد، ورواية المؤرخ أبي شامة فى كتابه " الروضتين " ترتفع بالعدد إلى مليونين، تحتوى على مصنفات فى الفقه واللغة والحديث والتفسير والفلك والكيمياء، وعدد لا بأس به من المصاحف، بعضها مكتوب بخط الوزير ابن مقلة وابن البواب (على بن هلال)، وكانا أشهر خطاطين فى عصرهما، وتضم نيفاً وثلاثين نسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد، من بينها نسخة بخطه نفسه، (لا يملك العالم كله من هذا الكتاب الآن إلا نسخة وحيدة كاملة عثر عليها أخيرا)، وأخرى من تاريخ الطبري بخطه نفسه، إلى جانب عشرين نسخة أخرى من الكتاب نفسه نسخها آخرون، وفيها ما يزيد على مائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد، وكان الخليفة إذا زار المكتبة ترجل إجلالا للعلم.

وتعمل قوانين التقليد عملها، فيتخذ الكبار والصغار، والفقراء والأغنياء، مكتبات لهم مهما يكن عدد الكتب التى فيها، فى القصور والبيوت، وتنتشر المكتبات العامة فى الزوايا والمساجد، وكانت المكتبات الخاصة نفسها متاحة للراغبين فى القراءة من الباحثين.
ولأن مصر كانت الحضارة الثقافية للعالمين الإسلامي والعربي، فقد حرص كبار العلماء على أن يرسلوا نسخا، أو النسخة الأولى إذا شئت، من مؤلفاتهم إلى المكتبات العامة فى مصر، يوقفونها على الطلاب ليفيدوا منها، ولتكون أولى خطاهم إلى عالم الذيوع والانتشار والخلود.

وهكذا لم يكد لسان الدين بن الخطيب، الشاعر والمؤرخ والوشاح والعالم الموسوعي ، ورئيس وزراء مملكة غرناطة فى أقصى الغرب الإسلامي، ينتهي من كتابة مؤلفه " الإحاطة فى أخبار غرناطة " حتى أرسل نسخة منه إلى " خانقاه سعيد السعداء " فى القاهرة، وقفها على أهل العلم فى مصر، وهى دار للعلم كان قد أنشأها صلاح الدين الأيوبي، وآخرون كثيرون صنعوا مثله.

ثم جاء عصر الحروب الصليبية، والصراع مع الغرب، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وتدهورت مصر اقتصاديا، وحربياً، وأدى ذلك كله إلى سقوط مصر في يد العثمانيين، فأخذت مصر طريقها إلى التدهور الثقافي مسرعة، وبدأت المكتباتوالكتب تختفي، نهبا أو سرقة أو تلفا، أو بيعاً ما للأجانب، أو جهلا بقدرها، ويذكر لنا الخطيب البغدادي، وكان مقيما في القاهرة، وفيها حرر كتابه " خزانة الأدب،، وهو من علماء القرن السابع عشر، أسماء مئات من الكتب كانت فى القاهرة على أيامه، عاد إليها وأفاد منها ولا نعثر لها الآن على أثر.

وتعمل التقاليد المستقرة فى أعماق الضمير الوطني عملها، فما أن يبدأ عصر النهضة الحديثة، بعد رقدة طالت، حتى يتأمل واقع الكتاب مصري فلاح ابتعث إلى فرنسا، وعاد محملا بأفكار متقدمة وحضارية حتى بدأ يجعل منها فى وطنه واقعا، فحظي الكتاب منه بعناية بالغة، فأنشأ دار الكتب المصرية، وصدر بذلك الأمر العالي فى 22 مارس 1780، وافتتحت رسميا للجمهور والقراءة والاطلاع والنسخ والاستعارة فى 24 ديسمبر من العام نفسه، وكانت أول مكتبة رسمية تنشأ فى العالم العربي الحديث.

وقد دعم الخديوي إسماعيل الفكرة وخصها برعايته، فجعل من قصر أخيه مصطفى فاضل فى درب الجماميز مقراً لها، وأوقف عليها عشرة آلاف فدان، وجعل نواتها مكتبة مصطفى فاضل نفسه، وكان مثقفا، ومكتبته غنية بالكتب عربية وأجنبية وضم إليها كل الكتب التى كانت توجد فى خزائن وزارة الأوقاف ومساجدها، وفى مكتبات القصور الخديوية، ودواوين الأشغال والمدارس.

لم تستمر دار الكتب فى مقرها من قصر الأمير مصطفى فاضل، فقد ضاق بها، فشيدت لها الحكومة، فى عهد الخديوي عباس حلمي، مبنى جميلا مستقلا على الطراز العربي، فى ميدان باب الخلق (أحمد ماهر الآن) بدئ فى إنشائه عام 1898، وانتقلت إليه الدار رسميا عام 1904، وقد روعيت فى المبنى كل المتطلبات التى تجعل منه مكانا مريحا محببا للقراء.

ولم تكد دار الكتب تأخذ شكلها الرسمي، وتتجلى رعاية الدولة لها واضحة، حتى أقيل سراة المصريين يهدونها مكتباتهم كاملة، ويوقفونها على جمهرة القارئين، فأهداها أحمد زكى باشا شيخ العروبة مكتبته الغنية، وحملت اسم المكتبة الذكية، وفعل الشيء نفسه أحمد تيمور باشا، ومكتبته أكبر مكتبة أهديت إلى دار الكتب، وتضم إلى جانب الكتب المطبوعة عددا كبيراً من المخطوطات النادرة، فى اللغات المختلفة، عربية وفارسية وتركية، اشترى معظمها بأسعار غالية من مصادر مختلفة.

أتاح المبنى الجديد فى باب الخلق لدار الكتب أن تتوسع فى خدماتها الثقافية، فألحقت بها مطبعة خاصة، وأنشئ فيها قسم لنشر التراث المخطوط على أسس علمية، أصبح على قلة ما نشر مدرسة هادية فى الدقة والضبط والمسئولية احتذاه الآخرون فى مصر وبقية العالم العربي، ومع ذلك فإن أحدا لم يلحق به جودة وإتقانا،كان يقوم على إدارة دار الكتب فى البدء، شأن معظم المؤسسات الحديثة فى مصر، عالم من المستشرقين، من بين الألمان بخاصة، وكان لبعضهم أبحاث فى مجال اللغة العربية وآدابها أو البرديات، وظل الأمر كذلك حتى قيام الحرب العالمية الكبرى عام 1914، فعهد بها إلى مدير مصري، وكان هؤلاء المديرون يختارون من بين الشخصيات العلمية المرموقة، أمثال: أحمد لطفي السيد، والدكتور منصور فهمي، وتوفيق الحكيم، والشيخ أمين الخولى، وآخرين.

تضم دار الكتب المصرية أكبر مجموعة من المخطوطات العربية، لا يوجد مثلها- عددا
وندرة- فى أية مكتبة أخرى من العالم، وهى مخطوطات فى لغات وآداب أخرى متنوعة، شرقية وسامية، والمخطوطات العربية الأندلسية التى فيها مثلا أكثر وأهم مما فى مكتبة الإسكوريال الشهيرة، ولكن لهذه من الشهرة أضعاف ما لدار الكتب، لسهولة الإفادة مما بها، ويسرة وصول الباحثين إليها.